من أعلام الأدب في العصر الحديث مصطفى لطفي المنفلوطي 1876-1924م

Go down

من أعلام الأدب في العصر الحديث مصطفى لطفي المنفلوطي 1876-1924م

Post by Mohammad Ahmad on Wed May 30, 2018 1:42 am

من أعلام الأدب في العصر الحديث
مصطفى لطفي المنفلوطي 1876-1924م


-حياته وآثاره:

وُلد مصطفى لطفي المنفلوطي سنة 1876 ببلدة منفلوط إحدى بلدان مديرية أسيوط لأسرة مصرية معروفة بالشرف والحسب. واختلف في أول حياته على عادة أضرابه من أبناء الريف إلى "الكُتَّاب" فحفظ القرآن الكريم، ولما يتجاوز الحادية عشرة من سنه. وأرسله أبوه إلى الأزهر؛ ليتم تعليمه فيه، وظل به عشر سنوات يدرس ويحصِّل، ولم يلبث حين وجد الشيخ محمد عبده يدرس للطلاب تفسير القرآن وكتابي عبد القاهر في البلاغة: "دلائل الإعجاز وأسرار البلاغة" أن أعجب به، فلزم دروسه، وانصرف عن الأزهر وعلومه ورجاله. ويظهر أنه ضاق بطريقة التعليم فيه، وتحول ذلك عنده إلى يأس، وسرعان ما وجد ما كان يطلبه عند محمد عبده، وقد تأثر تأثرًا قويًّا بتعاليمه.
ولم يكن يطلب التعمق في الدين؛ وإنما كان يطلب الأدب، فأخذ يختلف إلى دروس محمد عبده كما أخذ يختلف إلى كتب القدماء ودواوينهم، فهو يقرأ في ابن المقفع والجاحظ وبديع الزمان الهمذاني كما يقرأ في النقاد: الآمدي والباقلاني وعياض وغيرهم ممن تناولوا وصف الكلام الجيد، وممن وقفوا عند إعجاز القرآن وجمال أساليبه. وله كتاب يسمى "مختارات المنفلوطي" فيه منتخبات لمن سميناهم، ولكبار الشعراء من أمثال أبي تمام وابن الرومي وأبي العلاء.
وكان له ذوق جيد يعرف به كيف ينتخب لنفسه أروع ما في الكتب ودواوين الشعر العباسية من قطع وقصائد أدبية رائعة، فعكف على ذلك كله كما عكف على كتابات أستاذه محمد عبده يعب منها وينهل كما يعب وينهل من آثار معاصريه المترجمة والمؤلفة. وبذلك هيأ نفسه ليكون صحفيًّا بارعًا، ولسنا نقصد صحافة الأخبار؛ وإنما نقصد صحافة المقال.
ويقال: إنه أسف أسفًا شديدًا لموت محمد عبده، فرجع إلى بلدته ومكث بها عامين يكاتب صحيفة المؤيد، ثم عاد. وكان سعد زغلول معجبًا به، وتولى وزارة المعارف أو التربية والتعليم، فعينه محررًا عربيًّا لوزارته، وانتقل سعد إلى وزارة العدل، فنقله معه. ولكنه لم يظل في الوظيفة، فقد فُصل منها بعد خروج سعد من الوزارة، وظل يكتب في الصحف إلى أن قام البرلمان في سنة 1923 فعينه سعد رئيسًا لطائفة من الكُتَّاب في مجلس الشيوخ، ولم يمهله القدر؛ إذ سرعان ما لبَّى نداء ربه.
وهذه هي حياته، وهي ليست حياة هنيئة، فقد كان يشقى في سبيل الحصول على ما يقيم به أوَده، وقد نظم وهو لا يزال طالبًا في الأزهر قصيدة في هجاء عباس، فحكم عليه بالسجن مدة عرف فيها مرارة السجون، وكان لذلك ولعدم توفيقه في حياته أثره في إحساسه بالبؤس والبؤساء وآلامهم.
وكانت مصر حينئذ ترزح تحت كابوس الاحتلال الإنجليزي، الذي كان يضيق الخناق على أبنائها، فكانوا يشعرون بغير قليل من اليأس والبؤس. والتأم في نفس المنفلوطي بؤس أمته ببؤس نفسه، فتحول بوقًا لهذا البؤس يبكي في كتاباته ويَئِن.
ولم يكن يعرف لغة أجنبية، فكانت ثقافته ضيقة؛ ولكنه عكف على المترجمات يقرأ فيها ويوسِّع آماد فكره بكل ما يستطيع من قوة. وكان فيه طموح، فرأى أن يترجم بعض القصص والمسرحيات الغربية، ولكن أنَّى له وهو لا يحسن الفرنسية ولا غيرها من اللغات الأوربية، إلا أن ذلك لم يقف دونه، فقد طلب إلى بعض أصدقائه أن يترجموا له بعض آثار القوم الأدبية، ينقلونها هم أولًا، ثم ينقلها هو إلى أسلوبه الرصين.
ويظهر أنه عرَّفهم ما يريد؛ لأننا نجد ما يُتَرْجَمُ له من آثار المذهب الرومانسي الذي كان يُعْنَى أصحابه بالفضيلة والعدالة والانتصار للفقراء ونقد الأغنياء في أسلوب مليء بالانفعال العاطفي. وكانت طريقة المنفلوطي أن يأخذ ما تُرْجم له، ويمصِّره تمصيرًا، ويعطي لنفسه في ذلك حرية واسعة، حتى لكأنه يعيد كتابته وتأليفه من جديد، وهو تأليف يقوم على الاسترسال الإنشائي والانطلاق الوجداني والوعظ الأخلاقي. ومن القصص التي أعاد تأليفها على هذا النحو قصة بول وفرجيني لبرناردين دي سان بيير وسماها الفضيلة، وقصة ماجدولين أو تحت ظلال الزيزفون لألفونس كار وقصة الشاعر أوسيرانودي برجراك لأدمون روستان، وفي سبيل التاج لفرنسوا كوبيه. وبهذا الأسلوب من حرية التصرف والتحوير الواسع مصَّر طائفة من القصص القصيرة لبعض الكتاب الفرنسيين، ونشرها في كتابه "العبرات" بعد أن أضاف إليها بعض قصص من تأليفه، وجميعها قصص حزينة باكية.
ومن غير شك أفسد هذه القصص الفرنسية بتمصيره؛ إذ أحالها عن أصلها، وكأنه ظن القصة مجموعة من المقالات في غير حبكة، ومن ثم أدخل في هذه القصص تغييرًا واسعًا وهو تغيير لم يستطع إحكامه؛ إذ كانت تنقصه موهبة القصاصين، ويتضح ذلك في قصصه التي حاول أن يؤلفها إذ ينقصها الخيال والدقة في مراقبة أحداث الحياة وتجارب الأشخاص، كما أنه تنقصها طرافة المفاجأة. وإذا كان في هذه القصص شيء يعجب به القارئ فهو الأسلوب المصفى الذي يتميز به المنفلوطي، والذي أتاح لمقالاته أن تذيع وتنتشر في الناشئة من عصره إلى يومنا الحاضر، وقد جمعها وطبعها باسم النظرات.
ب-النظرات:
تقع النظرات في ثلاثة مجلدات، وهي مجموعة كبيرة من المقالات الاجتماعية نشرها المنفلوطي في أوائل القرن بصحيفة "المؤيد" التي كان يحررها الشيخ علي يوسف. وتمتاز هذه المقالات بميزتين أساسيتين: ميزة تتناول الشكل وميزة تتناول الموضوع، أما من حيث الشكل فإنها كتبت في أسلوب نقي خالص، ليس فيه شيء من العامية ولا من أساليب السجع الملتوية إلا ما يأتي عفوًا. فقد قرأ المنفلوطي واستوعب ما قرأه، ولم يكتفِ بأن يعيش على تقليد كاتب قديم بعينه مثل ابن المقفع أو الجاحظ أو بديع الزمان؛ بل حاول أن يكون له أسلوبه الخاص به، حقًّا تلمع في كتابته آثار القدماء، فقد تحس أحيانًا أنه يحتذي نثر الجاحظ أو نثر بديع الزمان؛ ولكن ما يحتذيه أو ما ينقله يدخل في كيان تعبيره؛ بحيث يصبح كأنه يُعاد خلقه من جديد.
وذلك ما نسميه بشخصية الكاتب، فكل ما يكتبه يُطْبَعُ بطابعه، وكأنه عملة خاصة به، وهي ليست عملة مزيفة؛ وإنما هي عملة صحيحة تنبع من فكره وقلبه، وتعطيه سماته الخاصة به، فتقرؤه، ولا تلبث أن تقبل عليه؛ لأنك تجد عنده ما يحدث لذة فنية في نفسك؛ إذ يقدم لك أثرًا أدبيًّا حقيقيًّا يمس قلبك، ويثير عاطفتك.
وهذا من حيث الشكل، أما من حيث الموضوع، فقد اختار الحياة الاجتماعية لبيئته، واتخذها ينبوعًا لأفكاره وتحول فيها بتأثير أستاذه محمد عبده إلى مصلح اجتماعي، فهو يردد آراء المصلحين من حوله، ويؤديها بلغته التي تأسر السامع وتَخْلُب لُبَّه.
وارجع إلى النظرات فستراه يتحدث في عيوب المجتمع وما يشعر به من مساوئ الأخلاق مثل: القمار والرقص والخمر وسقوط الفتيان والفتيات، فيتساءل: أين الشرف وأين الفضيلة؟ ويحس أن بعض ذلك جاءنا من المدنية الغربية، فيصب عليها جام غضبه. ويدور بعينه في بيئته فيرى كثرة المصابين بعاهة الفقر والبؤس فيبكي ويستغيث. ويكتب في الغنى والفقر، ويدعو إلى الإحسان والبر بالضعيف العاجز ويصوِّر أكواخ الفقراء وما هم فيه من مهانة وذلة، ويدعو دعوة حارة إلى التمسك بالفضائل من مثل الوفاء، وينادي: الرحمة الرحمة! ومن قوله في مقال بهذا العنوان:
"ليتك تبكي كلما وقع نظرك على محزون أو مفئود1، فتبتسم سرورًا ببكائك واغتباطًا بدموعك؛ لأن الدموع التي تنحدر على خديك في مثل هذا الموقف إنما هي سطور من نور تسجل لك في صحيفتك البيضاء أنك إنسان. إن السماء تبكي بدموع الغمام، ويخفق قلبها بلمعان البرق، وتصرخ بهدير الرعد، وإن الأرض تئن بحفيف الريح وتضج بأمواج البحر، وما بكاء السماء ولا أنين الأرض إلا رحمة بالإنسان. ونحن أبناء الطبيعة فلنجارها في بكائها وأنينها. إن اليد التي تصون الدموع أفضل من اليد التي تريق الدماء والتي تشرح الصدور أشرف من التي تَبْقُرُ البطون، فالمحسن أفضل من القائد، وأشرف من المجاهد، وكم بين مَن يحيي الميت ومن يميت الحي؟
إن الرحمة كلمة صغيرة؛ ولكن ما بين لفظها ومعناها من الفرق مثل ما بين الشمس في منظرها والشمس في حقيقتها. وإذا وجد الحكيم بين جوانح الإنسان ضالته من القلب الرحيم وجد المجتمع ضالته من السعادة والهناءة. لو تراحم الناس لما كان بينهم جائع ولا عارٍ ولا مغبون ولا مهضوم، ولأقفرت الجفون من المدامع، ولاطمأنت الجنوب في
__________
1 المفئود: المصاب في فؤاده من ألم ونحره.
__________
المضاجع، ولمحت الرحمة الشقاء من المجتمع كما يمحو لسان الصبح مداد الظلام ...
أيها الإنسان! ارحم الأرملة التي مات عنها زوجها، ولم يترك لها غير صبية صغار، ودموع غزار، ارحمها قبل أن ينال اليأس منها ويعبث الهم بقلبها، فتؤثر الموت على الحياة. ارحم المرأة الساقطة لا تزيِّن لها خلالها ولا تشتر منها عرضها، علَّها تعجز عن أن تجد مساومًا يساومها فيه، فتعود به سالمًا إلا كسر بيتها.
ارحم الزوجة أمَّ ولدك وقعيدة بيتك ومرآة نفسك وخادمة فراشك؛ لأنها ضعيفة، ولأن الله قد وكل أمرها إليك، وما كان لك أن تكذِّب ثقته بك. ارحم ولدك وأحسن القيام على جسمه ونفسه، فإنك إلا تفعل قتلته أو أشقيته، فكنت أظلم الظالمين. ارحم الجاهل لا تتحيَّن فرصة عجزه عن الانتصاف لنفسه، فتجمع عليه بين الجهل والظلم، ولا تتخذ عقله متجرًا، تربح فيه ليكون من الخاسرين. ارحم الحيوان لأنه يحس كما تحس ويتألم كما تتألم، ويبكي بغير دموع، ويتوجع ولا يكاد يبين ...
أيها السعداء! أحسنوا إلى البائسين والفقراء، وامسحوا دموع الأشقياء، وارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء".
وواضح أن المنفلوطي لا يُعْنَى بموضوعه فحسب؛ بل هو يحاول أن يؤديه أداء فنيًّا يتخير فيه اللفظ، ويحاول أن يؤثر به في سمع القارئ ووجدانه. وهو في ذلك يتأثر بطريقة القدماء الذين كانوا يعنون بالجرس الموسيقي للكلام، وانتهت بهم هذه العناية إلى السجع. والمنفلوطي لا يسجع؛ ولكنه يُعْنَى عناية شديدة بموسيقى ألفاظه، وكأن الناس لا يقرءونه بأبصارهم في الصحف؛ بل هم يقرءونه أو يسمعونه بآذانهم على طريقة القدماء قبل أن تتحول القراءة من السمع إلى البصر.
وهو يبدئ ويعيد في معانيه على طريقة الخطباء؛ بل هو يستعير منهم النداء بمثل أيها الإنسان. وترى عنده مثلهم التكرار في الكلمات مثل: ارحم، ارحم، كما ترى عنده كثرة الفواصل بين العبارات؛ إذ كثيرًا ما يقطع المعاني ويستأنفها. وقد يكون ذلك بسبب انفعالاته العاطفية، ونظن ظنًّا أنه يتأثر أسلوب الخطابة في عصره، عند مصطفى كامل وأضرابه.
****
قد وقف وقفات طويلة عند الإسلام والمسلمين، فبكى ما هم فيه حينئذ من تأخر وانحطاط وانغماس في الشهوات والملذات، ورماهم بأنهم عطلوا الأحكام وعصوا أوامر الدين ونواهيه، وكأنه تحول إلى خطيب في مسجد، فهو يعظ، ويبالغ مبالغة تخرجه عن جادة الحقيقة. ويمثل ذلك موقفه من المدنية الغربية، فقد أساء الظن بها، ورد إليها معايب الشباب وانغماسهم في حمأة الرذيلة، وكأنه غاب عنه ما تحمل هذه المدنية من خير للإنسانية، ففيها الشر وفيها الخير، فيها ما ينبغي أن نرفضه وما ينبغي أن نأخذه.
ومن المحقق أنه لم يكن منوع التفكير بسبب قصور ثقافته؛ إذ لم يطلع على آفاق جديدة، توسع ذهنه ومداركه. ولعل ذلك ما يهبط في عصرنا الحاضر بنظراته، فقد اتسعت معارفنا، ونمت صلتنا بالغرب؛ بل لقد تحول إلينا كثير من عيونه وذخائره النفيسة، وكثر بيننا من يطلعون على آثار القوم في لغتهم كما كثر بيننا من يحسنون التفكير والتغلغل فيه إلى أعماقه وخفياته.
ومن هنا خَفَّت بين أدبائنا الحدة المنفلوطية لإرضاء العاطفة، فقد أصبحوا يطلبون في كتابتهم إرضاء الذهن بغذاء عقلي خصب. وما أشبه أدب المنفلوطي في عباراته الرصينة المنغمة بالآنية المزخرفة؛ ولكنها آنية قلما حملت غذاء للذهن والفكر، ونحن نطلب اليوم الغذاء الفكري بأكثر مما نطلب الوسائل التي تؤديه، ولعل هذا ما جعل المازني يحمل عليه في كتاب "الديوان" غير أنه يقسو في حملته.
ومن الواجب أن نقيس الأديب بمقاييس عصره، وأن نحكم عليه بظروف بيئته، وألا ننتقل به إلى عصر تالٍ نستمد منه مقاييسنا عليه، والمنفلوطي من هذه الناحية أدَّى لمصر في أوائل القرن وإلى الحرب العالمية الأولى آثارًا أدبية بارعة، وكانت هذه الآثار المثل الأعلى للشباب في إنشائهم وفي صَقْل أساليبهم.
وفي النظرات جولات في النقد الأدبي إلا أنها غير عميقة، وليس فيها تحليل واسع لضيق ثقافته، وفيها مراثٍ لطائفة من الأدباء وربما كان خيرها مرثيته لابنه، وفيها يقول متأثرًا لما سقاه من الدواء، والموت يقتطع الحياة من بين جنبيه قطعة قطعة:
"لقد كان خيرًا لي ولك يا بني أن أكِلَ إلى الله أمرك في شفائك ومرضك، وحياتك وموتك، وألا يكون آخر عهدك بي في يوم وداعك لهذه الدنيا تلك الآلام التي كنت أجشمك إياها، فلقد أصبحت أعتقد أنني كنت عونًا للقضاء عليك، وأن كأس المنية التي كان يحملها لك القدر في يده لم تكن أمر مذاقًا في فمك من قارورة الدواء التي كنت أحملها في يدي".
والمقالة جميعها على هذا النحو المؤثر الذي كان المنفلوطي يتقنه. ودائمًا تجد عنده هذا اللفظ الجزل الرصين، الذي كان يحرص فيه على أن تسيغه الأذن بما يحمل من هذه الموسيقى العذبة التي تؤثر في النفس، وتحدث في الذهن تلك اللذة الفنية، التي نطلبها في الآثار الأدبية.
___________
مصدر ترجمة المنفلوطي:

**

اللغة العربية عند المنفلوطي

ومن الموضوعات التي اهتم بها المنفلوطي في مقالاته الاجتماعية موضوع اللغة العربية، وقد رأى أن الهجمات قد اشتدت عليها من جهات كثيرة، من المستعمر الذي كان يمني نفسه بأن تتحول عنها إلى العامية حتى تنقطع بيننا وبين تراثنا وقرآنا وديننا الأسباب، وننسى حاضرتنا وتاريخنا وأمجادنا، فننصاع لتراهاته وسخافاته، وتقبل على ثقافاته، ومن بعض أذنابه الذين دأبوا على الترويج لما يقول، وقد شرحنا ذلك مدعومًا بالأدلة من أقوالهم في كتابنا الأدب الحديث دافع المنفلوطي عن اللغة العربية، ورد القول على من ادعى قصورها عن مقتضيات الحضارة الحديثة، وبين ان عوامل نموها كثيرة وبخاصة الاشتقاق، ويعجب من أن عرب الجاهلية بلغ بهم الترف اللغوي حدا وضعوا منه خمسمائة اسم للأسد، وأربعمائة للداهية وثلاثمائة للسيف، "ونحن نراها اليوم تضيق عن حاجتنا فلا نعرف لأداة واحدة من آلاف الأدوات التي يصنعها المعمل الواحد اسمًا عربيًا، اللهم إلا القليل التافة من أمثال: المسبر، والمبرد، والمشار، والمسمار".
وهو حينما يقول هذا، لا يعني الإزراء بها، والتحقير لها، وإنما يحاول جاهدًا أن يبعث فيها الحياة حتى تساير نهضتنا، وقد كمنت فيها عوامل نموها ورقيها، فرأى أن الحاجة ماسة إلى العناية الشديدة بأمرها، لا في مفرداتها فحسب، ولكن في أساليبها وتصفيتها من المبتذل الساقط، وقد أجمل رأيه بقوله: "إن كان الجاهليون في حاجة إلى مجتمع لتوحيد اللهجات المتشعبة، فنحن في حاجة إلى مجتمعات كثيرة: مجتمع لجمع المفردات العربية المأثورة وشرح أوجه استعمالها الحقيقية والمجازية في كتاب واحد يقع الاتفاق عليه والإجماع على العمل به، ومجتمع دائم لوضع أسماء للمسميات الحديثة بطريقة التعريب أو النحت أو الاشتقاق، وآخر للإشراف على الأساليب العربية المستعملة وتهذيبها وتصفيتها من المبتدل الساقط، والمستغلق النافر، والوقوف بها عند الحد الملائم للعقول والأذهان، وآخر للمفاضلة بين الكتاب والشعراء والخطباء، ومجازاة المبرز منهم والمقصر إن خيرًا فخير وإن شرًا فشر.
قال المنفلوطي هذا قبل أن ينشأ مجمع اللغة العربية، وقبل أن ينشأ المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب وتخصص الجوائز العديدة لتشجيع المبرزين في مختلف الميادين، وإن دل هذا الرأي على شيء فإنه يدل على شدة حرصه على نهضة اللغة ومسايرتها للمدينة الحديثة، وبقاء أسلوبها عربية فصيحًا لا تشويه شوائب العجمة، والرقي بالأدب شعرًا ونثرًا.
___________
avatar
Mohammad Ahmad
Admin

المساهمات : 38
تاريخ التسجيل : 2018-05-27

View user profile http://literature-to-all.ahlamontada.com

Back to top Go down

Re: من أعلام الأدب في العصر الحديث مصطفى لطفي المنفلوطي 1876-1924م

Post by Mohammad Ahmad on Wed May 30, 2018 1:51 am



كتاب النظرات – مصطفى لطفي المنفلوطي
أبو الشمقمق
إن كثيرًا من الفقراء لم تمتدَّ يدُ الفقر إلى رؤوسهم، كما امتدت إلى جيوبهم؛ فهم يُدركون كما يدرك الأغنياءُ، ويفهمون كما يفهمون، وكما أن في أغنياء الجيوب فقراءَ الرؤوس، كذلك في فقراء الجيوب أغنياء الرؤوس.

ولقد جلستُ في منزلي صبيحة يوم مع قوم من الماديين المستهترين الذين ملأ المالُ فراغ أذهانهم حتى أنساهم كلَّ شيء، وأنساهم أنفسَهم قبل ذلك، فأخذوا يتجاذبون أسلاكَ الأحاديث الذهبية ما بين تاجر يُعجَب بصفقته الرابحة، وزارع يفخَر بقلَّة ما أَعطى وكثرة ما أخَذ، وآخر يعلل نفسَه بكثرة الغلات وارتفاع الأسعار، والكل متفقون على أن السعادةَ التي أظلتهم أجنحتُها في هذا العهد الأخير؛ عهدِ العدل، عهدِ الحرية والمساواة، عهدِ الترقي والعمران - هي أشبهُ شيء بسعادة المتقين في جنات النعيم.

كل هذا وأبو الشمقمق جالسٌ ناحية يخزَرُ طرفه، ويهز رأسه، ويصعِّد أنفاسه، ويمضغ أضراسه، ويئنُّ من قلبه أنينًا خفيًّا يكاد يسمعُ فيه السامع قول الشاعر:
فيا لك بحرًا لم أجِدْ فيه مشربًا  
على أن غيري واجدٌ فيه مسبحَا  


فما هو إلا أن قضَوا لبانتهم من الكلام المملول والحديث المعاد حتى قاموا يطيرون مع الآمال، وراء الأموال، فأشَرْتُ إلى أبي الشمقمق أن يتخلَّف، ففعَل، فسألته: ما لك لم تشترك معنا فيما كنا فيه؟ فأجاب: إني أكره الفضولَ في الحديث، وقد فرَّق المقدار بيني وبينكم في المال، فلا أشترك معكم في المقال، فقلت: ألا يُعجبُك يا أبا الشمقمق حديثُ النهضة الحديثة التي نهضتها الأمةُ المصرية في العهد الأخير، وأنت فرد من أفرادها، وجزء من أجزاء جسمها؛ فنهوضها نهوضُك، وسقوطها سقوطك، والأمة - كما تعلم - هي الفردُ المكرر، والواحد الدائر، فأنت الأمة، والأمة أنت، فقال: والله لا أدري هل تكلِّمني بلسان الصوفية ولست بصوفي، أم بُلَغة الفلاسفة، ولا أفهم للفلسفة معنى، وكأنك تقصدني بالفرد المكرر والواحد الدائر، فإن كنتَ تريد أني فرد مكرَّر كثير الأشباه والأمثال في العَوَز والفاقة، وواحد لا سَنَد لي ولا عضد، ودائر في مدارج الطرق، ومعابر السبل، فقد أصبتَ وأحسنت، وإن كنت تريد معنى غير ذلك، فأنا لا أفهم إلا كذلك، فهل لك أن تُعفيني من هذه المعميات، وتزِنَ كلامك على قدر عقلي، وتحدثني فيما يتناوله سمعي وبصري، فقلت: أنا لم أخرُجْ بك عن المألوف المعروف، ولا أريد إلا أن الأمةَ ليست في الخارج شيئًا غيرَ أفرادها، فإذا سعِدتْ أو شقِيتْ، فالسُّعداء والأشقياء أبناؤها، وحسبُك أن ترى تقدُّمَ الأمة المصرية في ثروتها وعمرانها، وبَذَخها وترفها، وكثرة ناطقها وصامتها، فتسعد بسعادتها، وتسر بسرورها، فقال: إن لم تُبيِّن لي سهمي من هذه السعادة، ونصيبي من ذلك الارتقاء، فلا أصدِّق سعادةً، ولا أتصورُ ارتقاء، وما دمتُ أرى أن لي هوية مستقلة من هوية سواي من السعداء، ويدًا تقصُر عما يتناولونه، وبطنًا لا يمتلئ بما تمتلئ به بطونهم، وما دمتُ لا أرى واحدًا بينهم يلبَسُ معي ردائي الممزَّق، وقميصي المخرَّق، ويقاسمني همي، ويشاطرني فقري، فهيهات أن أسعَدَ بسعادتهم، وأُسرَّ بسرورهم، وهيهات أن أفهمَ معنى قولك: أنت الأمَّة، والأمة أنت، فقلت: إن الغيثَ إذا نزل يسقي الخصيب والجديب، والنَّجد والوَهْد، وينتظم من الأرض الميت والحي، فقال: كلُّ سماء فيها هذا الغيث إلا سماءَ مِصْرَ؛ فإني أراه:
كبدرٍ أضاء الأرض شرقًا ومغربًا  
وموضِعُ رِجْلي منه أسودُ مظلمُ  


ما لي وللرَّوض الذي لا أستنشق رَوحه ورَيحانه، والقصر الذي لا أدخله مالكًا ولا زائرًا، وهَبْ أن الطرق مفروشةٌ بالحرير والديباج، لا بالحصى والمَدَر، فهل أبقى لي الدهرُ من حاسة اللمس شيئًا فأميِّزَ بين خَشن الملمس وناعمه، ومعوجِّ الأرض ومستقيمها، وهَبْني إذا مشيتُ خُضْت في بحر مائج بأنوار الكهرباء، فهل يغني ذلك عني شيئًا، وهل يكون نصيبي منه إلا انكشاف سوءتي ورثاثتي لأعين الناظرين، ولقد حُبِّب إلي الظلامُ حتى تمنيت دوامه لألبَسَ من ثوبه الطبيعي ما يكفيني مَؤونة الرتق والفتق، والتمزيق والترقيع، وبعدُ فما هو الارتقاء الذي تزعُمه وتزعم أنه يَعنيني ويشملني، هل ترَقَّتْ غرائز الإحسان في نفوس المحسنين، وهل خفَقَت قلوب الأغنياء رحمةً بالفقراء، فقلت: نعم، أما ترى الأموال التي يتبرَّع بها الأغنياء للجمعيات الخيرية، والتي يُنفِقها المحسنون على بناء المدارس والمكاتب والمستشفيات، فقال: إن هذه التي تُسمِّيها مكارم، لا يسمِّيها أصحابُها إلا مغارم، ألجأهم إليها التملُّق للكُبَراء، وحبُّ التقرُّب من الرؤساء، والطمع في الزخرف الباطل، والجاه الكاذب.

ما لي وللمدارس والمستشفيات وأنا جوعان خبزٍ، لا جوعان علم، ولا مرض عندي إلا مرضُ الفاقة، فهل أجد في المدارس خبزًا، أو في المستشفيات دواءً كذلك الدواء الذي وصَفه أحدُ الأطباء الكرماء لرجلٍ جائع دخَل عليه وشكا إليه مرضًا، فعرَف سرَّ مرضه، فأعطاه عُلبة وكتب عليها: "يؤخَذُ منها عند اللزوم"، فلما ذهب بها الفقيرُ وفتحها وجد فيها عشَرة دنانير.

أنا رجل ضعيفُ البصر، ضعيف القوة كما ترى، فلا قدرة لي على العمل، وعندي صبية صغار ليس بينهم من يستطيع عملاً أو يُحسن صُنعًا، ولقد كان لي في الزمن الذي تذمُّونه، والعهد الذي تنقِمون عليه، منفسحٌ عظيم في منازل المحسنين، ومورِدٌ نمير من صدقاتهم وهِباتهم، وظِلٌّ ظليلٌ من تحنُّن الأغنياء ورحمتهم بالفقراء البائسين، أما اليوم فإني أبيت طاويًا، وأصبح شاكيًا، وأغدو راجيًا، وأَروح يائسًا.

وهنا أرسَل من جَفْنيه دمعةً ليسَتْ بأولِ دمعة بلَّل بها رداءَه، ولكنها أحرُّ من سابقاتها؛ لأنه لم يبكِ في غير خَلوته غيرَ هذه المرة، ثم نهض ومدَّ يدَه إلي مودِّعًا، فمسحتُ بيميني دمعة واحدة من دموعه الكثيرات.





avatar
Mohammad Ahmad
Admin

المساهمات : 38
تاريخ التسجيل : 2018-05-27

View user profile http://literature-to-all.ahlamontada.com

Back to top Go down

Back to top

- Similar topics

 
Permissions in this forum:
You cannot reply to topics in this forum